الملا فتح الله الكاشاني

6

زبدة التفاسير

واعلم أنّ اللَّه سبحانه لمّا ختم سورة الصافّات بذكر القرآن والرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنكار الكفّار لما دعاهم إليه ، افتتح هذه السورة بالقرآن ذي الذكر ، والردّ عليهم أيضا ، فقال : * ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص ) * قد ذكر في أوّل سورة البقرة أنّ إيراد حروف التهجّي في أوائل السور على سبيل التحدّي والتنبيه على الإعجاز . ثمّ أتبعه القسم محذوف الجواب ، لدلالة التحدّي عليه . كأنّه قال : * ( والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) * إنّه لكلام معجز . ويجوز أن تكون « ص » خبر مبتدأ محذوف ، على أنّها اسم للسورة ، كأنّه قال : هذه ص . يعني : هذه السورة الَّتي أعجزت العرب ، والقرآن ذي الذكر . كما تقول : هذا حاتم واللَّه ، تريد : هذا هو المشهور بالسخاء واللَّه . وكذلك إذا أقسم بها ، كأنّه قال : أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنّه لمعجز . وإذا جعلتها مقسما بها ، وعطفت عليها : « والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ » جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كلَّه ، وأن تريد السورة بعينها . ومعناه : أقسم بالسورة الشريفة ، والقرآن ذي الذكر . كما تقول : مررت بالرجل الكريم ، وبالنسمة المباركة ، ولا تريد بالنسمة غير الرجل . وقيل : « صاد » رمز لصدق محمّد . و « الذكر » الشرف والشهرة ، كقولك : فلان مذكور . أو الذكرى والموعظة . أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها ، كأقاصيص الأنبياء ، والوعد والوعيد . وما كفر به من كفر * ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي : كفروا به * ( فِي عِزَّةٍ ) * أي : استكبار عن قبول الحقّ * ( وشِقاقٍ ) * خلاف للَّه ورسوله ، ولذلك كفروا به . والتنكير فيهما للدلالة على شدّتهما . ثمّ أوعدهم على كفرهم بالقرآن استكبارا وشقاقا * ( كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا ) * استغاثة ، أو توبة ، أو استغفارا * ( ولاتَ حِينَ مَناصٍ ) * أي : وليس الحين حين مناص . و « لا » هي المشبّهة ب‍ « ليس » زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد ، كما